ابن عربي
531
الفتوحات المكية
الصلاة سواء وهي بشرى من الله في حق الميت كأنه يقول لهم ما ثم إلا السلامة له ولكم وإن الله قد قبل الشفاعة بما قررناه من الأذن فيها وكل من قال إن الميت إذا كان من أهل الصلاة عليه وصلى عليه لا تقبل الشفاعة فما عنده خبر جملة واحدة لا والله بل ذلك الميت سعيد بلا شك ولو كانت ذنوبه عدد الرمل والحصى والتراب أما المختصة بالله من ذلك فمغفورة وأما ما يختص بمظالم العباد فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة فعلى كل حال لا بد من الخير ولو بعد حين ولهذا ينبغي للمصلي على الميت إذا شفع في صلاته عند الله أن لا يختص جناية بعينها وليعم في ذكره كل ما ينطلق عليه به أنه مسيئ إساءة تحول بينه وبين سعادته وليسأل الله التجاوز عن سيئاته مطلقا وأن يعترف عن الميت بجميع السيئات وإن لم يحضر المصلي التعميم في ذلك فإن الله إن شاء عمه بالتجاوز وإن شاء عامل الميت بحسب ما وقعت فيه الشفاعة من الشافع ولهذا ينبغي للمصلي على الميت أن يسأل الله له في التخليص من العذاب لا في دخول الجنة لأنه ما ثم دار ثالثة إنما هي جنة أو نار وذلك أنه إن سأل في دخول الجنة لا غير فإن الله يقبل سؤاله فيه ولكن قد يرى في الطريق أهوالا عظاما فلهذا ينبغي أن تكون شفاعة المصلي في إن ينجي الله من صلى عليه مما يحول بينه وبين العافية واستصحابها له فإن ذلك أنفع في حق الميت وإذا فعل هكذا صح التعريف بالسلام من الصلاة أي قد لقي السلامة من كل ما يكرهه ( وصل في فصل تعين الموضع الذي يقوم الإمام فيه المصلي من الجنازة ) واختلفوا أين يقوم الإمام من الجنازة فقالت طائفة يقوم في وسطها ذكرا كان أو أنثى وقال قوم يقوم من الذكر عند رأسه ومن الأنثى عند وسطها ومنهم من قال يقوم منهما عند صدرهما وقال قوم يقوم منهما حيث شاء ولا حد في ذلك وبه أقول ( وصل الاعتبار في ذلك ) للخيال والوهم سلطان ومقصود المصلي إنما هو سؤال الله تعالى والحديث معه في حق هذا الميت وإحضار الميت بين يديه فلا يبالي أين يقوم منه فإن التردد في ذلك يفصم الخاطر عن المقصود ولا سيما إن كانت الجنازة أنثى فيتوهم الإمام إذا وقف عند وسطها أن يسترها عمن خلفه فلم يسترها عن نفسه ويقدح ذلك التوهم في حضوره في حقها مع الله فإن الحق إنما يستقبله على الحقيقة من الإنسان قلبه فإذا كان قلب المصلي بهذه المثابة من التفرقة واستحضار ما لا ينبغي بالتوهم فقد أساء الأدب في الشفاعة ومن هذه حاله فليس بشفيع وكان هذا المصلي أولى باسم الميت من الميت لسوء أدبه مع الله ومع الموت ومع الميت فلا يحضر المصلي أين يقوم من الجنازة وليستفرغ همته في الله الذي دعاه إلى الشفاعة فيها عنده وكم من مصل على جنازة والجنازة تشفع فيه جعلنا الله من الشافعين هنا وهناك الإنسان مكلف من رأسه إلى رجليه وما بينهما فإنه مأمور بأن لا ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه شرعا وبجميع ما يختص برأسه من التكليف ومأمور بأن لا يسعى بأقدامه إلى ما لا يحل له السعي إليه وفيه ومنه وما بينهما مما كلفه الله أن يحفظه في تصرفه من يد وبطن وفرج وقلب فلو تمكن للمصلي أن يعم الميت بذاته كلها لفعل فليقم منها حيث ألهمه الله والقيام عند قلبه وصدره أولى فإنه كان المستخدم لجميع الأعضاء بالخير والشر فذلك المحل هو أولى أن يقوم المصلي الشافع عنده بلا شك ويجعله بينه وبين الله ويعينه فإنه إذا غفر له غفر لسائر جسده فإن جميع الأعضاء تبع للقلب في كل شئ دنيا وآخرة ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إن في الجسد بضعة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب كذلك إذا قبلت الشفاعة فيها قبلت في سائر الجوارح أراد الشرع بالقلب هنا المضغة التي يحوي عليها الصدر ولا يريد بالقلب لطيفته وعقله وفي هذا التنبيه هنا سر لمن فهم وعلم لا يحصل إلا بالكشف يقول تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب وقال وليتذكر أولو الألباب كما قال أيضا ولكن تعمي القلوب التي في الصدور وفي باب الإشارة عن الحق فيريد بالصلاح والفساد إذا أراد المضغة ما يطرأ في البدن من المرض والصحة والموت فإن القلب الذي هو هذه المضغة هو محل الروح الحيواني ومنه ينتشر الروح الحيواني في جميع ما يحس من الجسد وما ينمي وهو البخار الخارج من تجويف القلب الذي يعطيه الدم الذي أعطاه الكبد فإذا كان الدم صالحا كان البخار مثله فصلح الجسد وبالعكس فهو تنبيه من الشارع لنا بما هو الأمر عليه فإن العلم بما هو الأمر عليه في هذا الجسم الطبيعي العنصري الذي هو آلة للطبقة الإنسان المكلفة في إظهار ما كلفه الشارع إظهاره